ابن عجيبة

142

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ أي : فضّلنا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم ، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ، وَاجْتَبَيْناهُمْ أي : اخترناهم للرسالة واصطفيناهم للحضرة ، وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ؛ الذي يوصل إلى حضرة قدسنا . ذلِكَ هُدَى اللَّهِ أي : ذلك الدين الذي دانوا به هو هدى اللّه يَهْدِي بِهِ أي : بسببه ، مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، تحذيرا من الشرك ، وإن كانوا معصومين منه . أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي : جنس الكتب ، وَالْحُكْمَ أي : الحكمة ، أو الفصل بين العباد ، على ما يقتضيه الحق ، وَالنُّبُوَّةَ ؛ الرسالة ، فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ : أهل مكة ، فَقَدْ وَكَّلْنا بِها أي : بالإيمان بها والقيام بحقوقها ، قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ؛ وهم الأنبياء المذكورون ، وتابعوهم ، وقيل : الصحابة المهاجرون والأنصار ، وهو الأظهر . وقيل : كل مؤمن ، وقيل : الفرس . والأول أرجح ؛ لدلالة ما بعده عليه ، وهو قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ، الإشارة إلى الأنبياء المذكورين ، فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ أي : اتبع آثارهم ، والمراد بهديهم : ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين ، دون الفروع المختلف فيها ، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل ، ولا يمكن التأسّى بهم جميعا ؛ فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة السلام متعبّد بشرع من قبله . قاله البيضاوي . قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي : التبليغ أو القرآن ، أَجْراً أي : جعلا من جهتكم ، كحال الأنبياء قبلي ؛ اقتداء بهم فيه ، فهو من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه ، إِنْ هُوَ أي : ما هو ، أي : التبليغ أو القرآن ، إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ؛ إلا تذكرة وموعظة لهم . الإشارة : فضّل هؤلاء السادات على أهل زمانهم بما هداهم إليه من أنوار التوحيد وأسرار التفريد ، وبما خصهم به من كمال العبودية والآداب مع عظمة الربوبية . وفي قوله لحبيبه : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فتح لباب اكتساب التفضيل ، فكلّ من اقتدى بهم فيما ذكر شرّف على أهل زمانه ، وقد جمع في حبيبه صلّى اللّه عليه وسلّم ما افترق فيهم ، وزاد عليهم بالمحبة ورفع الدرجات ، فكان هو سيد الأولين والآخرين ، فكل من اقتدى به في أفعاله وأقواله وأخلاقه نال من السيادة بقدر اقتدائه ، وأمره سبحانه له بالاقتداء بهم ، إنما هو في الآداب ، وكان ذلك قبل أن يترقّى عنهم إلى مقامه الذي خصّه اللّه به . فإن للأنبياء سيرا وترقّيا يليق بهم . كما للأولياء سير وترقّ يليق بهم . قال الورتجبي : أمر حبيبه - عليه الصلاة والسلام - بالاقتداء بالأنبياء والرسل قبله في آداب الشريعة ، لأن هناك منازل الوسائط ، فإذا أوصله بالكلّية إليه ، وكحّل عيون أسراره بكحل الربوبية ، جعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله ، وخرج عن حدّ الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة ، وأمره بإسقاط الوسائط ، حتى قال : « لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتّباعى » ، وغير ذلك . ه . وقال الشاذلي رضى اللّه عنه : أمره بالاقتداء بهم فيما شاركوه فيه ، وإن انفرد عنهم بما خصّ به . ه .